true love قصة معاذ و خديجة .. حبّ، إخلاص و وفاء

couple-musulman

كان سفيان رجلا غنيا و مشهورا، لا يتردد عن التحايل و الكذب على الناس من أجل أن يضاعف ثروته و ينّمي أمواله. و كان لسفيان 3 بنات، سعاد، إيمان و خديجة. أُعْطيت الكبرى و الوسطى جمالا فاتنا مع كِبْر و تعالٍ على الناس، بينما أُعْطيت الصُّغرى جمالا عاديا مع طيبة و جمال أخلاق. أصرّ الوالد أن تزاول بناته دراستهن في أكبر الجامعات و أشهرها و على أن يتّبعن آخر التكوينات و أحدثها.

و كان كلما أتمّت الواحدة منهن دراستَها العليا، منحها والدها منصبا هاما و حسّاسا في شركة من شركاته، رغم عدم كفاءتهن و شكاوي العمال منهن، إلاّ ابنته الصّغرى خديجة التي كانت ذات كفاءة عالية و لها مهارات جيّدة. لكنه كان يمقتُ فيها رحمتها و طيبتها و تقديرها لكل العمال، أيا كانت منزلتهم أو منصبهم أو مرتبتهم.
كانت خديجة لا ترضى لوالدها أن يظلم أحدا أو أن يتحايل على أحد، و كانت في كل مرة تذكّره و تعظه بالتي هي أحسن لكنه كان يغضب منها فيعاقبها تارة و ينهرها تارة أخرى و أحيانا لا يكلمها أياما. و قد أصرّت على ارتداء الحجاب رغم معارضته له.

و ذات يوم، قرّر سفيان أن يضع ابنته الصّغرى على رأس شركة من شركاته التي أوشكت على الإفلاس. فأوصاها بأن تمتثل لأوامره و نواهيه، و شروطه و قوانينه و أعطاها مهلة 6 أشهر ليرى عملها، فوافقت خديجة واغتنمت تلك الفرصة الذهبية لكي تثبت له قدرتها على التسيير واشترطت عليه أن لا يسألها عن شيء إلى أن تنتهي المهلة فوافق على ذلك.
جعلت خديجة مكتبها و مكاتب كل عمال الإدارة في قاعة واحدة ثم جمعتهم في قاعة الاجتماع و أعطت كل واحد منهم ورقة استبيان لتعرف منها نقاط قوة كل واحد منهم و فيما تكمن مهاراتهم و قدراتهم، و قد تمكنت بواسطتها من تغيير مناصب كل واحد منهم حسب مجال تفوقه و كفاءته فاستاء العمال غير الأكفاء من تغيّر مناصبهم بينما سعد آخرون بمناصبهم الجديدة. و كان من بين المعارضين لقرارها زوج أختها الكبرى سعيد الذي رفض تغيير منصبه رفضا قاطعا و قدّم استقالته فوافقت عليها على الفور.

خرج الرجل المتكبر مسرعا من مكتبها فصادف في طريقه نادل الشركة و اسمه معاذ و هو يحمل العصير إلى المديرة. فدفعه بقوة كاد أن يسقطه أرضا ثم خرج. انزعج معاذ كثيرا لكنه لم يتفوه بكلمة و اقترب من مكتب خديجة في أدب و قدّم لها العصير فشكرته و قالت له : اجلس من فضلك. فجلس مستغربا طلبها فقالت له في حزم : من الآن فصاعدا لا وجود لمنصب نادل بالشركة. فاندهش الشاب من قرارها المفاجئ و ظن أنّه مطرود من عمله ثم أخذت ورقة استبيان و ناولته إياها و قالت له مبتسمة : تفضّل. قم بالإجابة على الأسئلة الموجودة بهذا الاستبيان بوضوح ثم أعده إلي. ففرح معاذ أيّما فرح و أحسّ أنّ الله تعالى سيفرج عنه أخيرا و راح يملأ الاستبيان بثقة كبيرة و يُعيده إليها. قرأت خديجة إجاباته بتمعّن شديد ثم قالت له مندهشة : كيف لشاب يحمل شهادة في مجال التسويق و يتقن اللغة الأجنبية و الحاسوب أن يعمل نادلا ؟ ! تنهد معاذ تنهيدة من الأعماق ثم قال لها: حدث هذا عندما أعلنتْ الشركة عن احتياجها لمنصب عامل تسويق و نادل في نفس الوقت. فتقدمت للمنصب الأول و معي شهادتي و أجريت الامتحان و قد أجبت على كل الأسئلة إجابات صحيحة، لكن في آخر لحظة تمّ اختيار رجل آخر لهذا المنصب دون أن يُجري أي اختبار، فعُرض علي منصب نادل في الشركة ريثما يفرغ منصب جديد في مجالي فوافقت مكرها لأني…ثم توقف عن الكلام و طأطأ رأسه .. لم يجرؤ معاذ أن يخبرها أنه المسئول الوحيد عن عائلته الفقيرة…فشعرت خديجة بالأسف لحكايته ثم سألته قائلة : وكم مكثت في منصبك هدا؟ قال خجلا : مكثت قرابة السنة. فانزعجت خديجة لما سمعته ثم قالت له مبتسمة : يبدو أنّك كُنت مُحقا، جهّز نفسك لمنصبك الجديد.

فرح معاذ كثيرا لهذه الفرصة الذهبية و أحسّ أنّ حياته عادت لتتلوّن من جديد بعدما كانت بألوان الكئابة و الحزن.. ثم أردفت قائلة : و لقد اخترت لك منصب المسئول عن التسويق بالشركة بعد أن تتبّع التكوين اللازم. هذه هي فرصتك الذّهبية لتثبت للعالم قدراتك و مهاراتك فاغتنمها. سَعِد معاذ بهذا التعيين سعادة لا توصف و قال لها : شكرا لك على هذه الثقة و أرجو أن أكون عند حسن ظنك. ثم وقف لينصرف فقالت له: أرجو أن تقبل اعتذاري عن كل إساءة وُجهت لك بهذه الشركة من أي طرف كان. فاندهش الرجل من كلام المديرة و أُعْجب بأخلاقها و عدلها و قال لها مبتسما : لا، لا داعي للاعتذار أبدا.

كان معاذٌ شابا متخلقا، تقيّا و مُتفانيا في عمله. و كان يتعامل مع خديجة بلباقة و احترام و يهتم لأمرها و يُلبّي كل طلباتها على الفور ..و قد أثار ذلك غيرة شديدة عند زملائه و قد أوّلوا صنيعه معها بالطمع فيها و في مالها ولكنه لم يكن يأبه لغَيبتهم و سوء ظنهم به، و ظل يعامل تلك الإنسانة الفريدة كما تستحق! أعجبت خديجة بشخصه و أخلاقه و إتقانه للعمل و ظلّت تتساءل و هي تفكر في طريقة تعامله معها التي كانت خاصة جدا قائلة : و هل يُعقل أن يكون كلامه اللبق و حسن تعامله معي اهتماما؟ لا، لا أظن ذلك. فأنا لست ذات جمال ساحر ولا حُسن فاتن بينما هو محلّ إعجاب كل النساء. .. ثم أطرقت تفكر… و هي لا تدري أنّ الإنسان قد ينسى ما فيه من خصال جاذبة و صفات حلوة تميّزه عن باقي الناس، فيظن في نفسه النقص و يركز على عيوبه التي يراها هو و لا يراها الناس.. و ما كانت غير مقتنعة به كان صحيحا .. فكان بكل بساطة إعجاب متبادل.

اغتاظت سعاد و إيمان أختَيْ خديجة من المنصب الهام الذي ولاّها عليه والدها و حسدتاها و أضمرتا لها الشّر، فأخبرتا والدهما بكل التغييرات التي قامت بها داخل الشركة فقال لهما يطمئنهما : أعلم. لكنني أريد أن أستغلّ مهارتها في التسيير و الإدارة. و ما إن تُوَّفقُ في جعل الشركة تقف على رجليها من جديد سوف أطردها. لست أرضى بمن يدخل التغييرات على قوانيني حتى لو كانت ابنتي الصّغرى.

سَعدتْ البنتين بالخبر و مرّت المهلة التي أعطاها الوالد لابنته و قد أسعده نجاح الشّركة و الأرباح التي سجلتها فذهب إلى الشركة و دخل القاعة الكبيرة و هو ينظر يمينا و شمالا إلى الموظفين نظرة المتكبر المتعجرف، و قد وقف كل العمال عند رؤيته و الرُّعب قد تملّكهم و هم يعلمون أنّه سيكون ضد التغيير الذي قادته ابنته الصغرى.. و كان معاذ في ذلك الوقت غائبا عن الشركة.
تقدّم الوالد من مكتب خديجة وبصوت خافت قال لها: إذن يا بنيتي، ماذا فعلت. فأعطت البنت لوالدها كشف أرباح الشركة و كلها ثقة و فخر بانجازها فوضعه على المكتب و قال لها بحزم : لست عن هذا أسألك. فارتبكت و خافت غضبه ثم قالت له: كان عليّ أن أغيّر في الشركة يا أبي. و قد رأيتَ نتيجة ذلك بالأرقام. عادت الشركة إلى التفوّق على الشركات الأخرى كما كانت سابقا. فرد عليها والدها بغضب: نعم، قد كان اختيارك صوابا عندما غيّرتِ بعض المناصب و عندما أتقنت عملك كمسيرة للشركة و لكن.. كيف تجرأت و أنقصت من شأن زوج أختك و رفعت من شأن ذلك النادل و جعلته مسئولا بالشركة ؟ ! فقالت له في ثبات: لا يهمّني مركز الإنسان يا والدي بقدر ما يهمني الإنسان نفسه و كفاءاته. لقد اكتشفت أنّ النادل ذو كفاءة عالية بينما لاحظت في زوج أختي عدم كفاءته مع تعاليه على الغير. فقال لها والدها بقسوته المعتادة : اليوم هو آخر يوم لك في الشركة، أنت و ذلك النادل. كيف تساوين بين الغنيّ و الفقير و القويّ و الضعيف.. بين من مركزه عال و من لا مركز له؟ و لتصحيح ما بدر منك سوف أجعل زوج أختك رئيسا للشركة بدلا عنك.

فوجئت البنت بقرار والدها القاسي و خرجت من القاعة باكية فالتقت في طريقها معاذ العائد من مهمته و قد اندهش لحالتها فحاول أن يكلمها لكنها أبت أن تتوقف و أسرعت بنزول السلالم باكية. فتنبأ الشاب بما حدث و قد رأى سيارة والدها مركونة عند مدخل الشركة، فدخل القاعة في ثبات فلم يكن يخيفه أن يُطرد من الشركة لأنّه كان يكره العمل في شركة من شركاته لولا ابنته الطيبة. فتوجه إلى مكتبه مباشرة دون أن يكلّم الرجل الذي كان يتبعه بنظره باستياء و أخذ أغراضه و خرج من القاعة مرفوع الرأس عزيز النفس.

ظلت خديجة حبيسة غرفتها و دمعها على خدها، تفكر في ظلم والدها لها و مكافئته لها على حسن تسييرها للشركة التي كانت على وشك الإفلاس. و تمنت لو لم تستلم إدارتها و تركتها تقفل الى الأبد..حزن معاذ لحزن خديجة فقد كانت سبب تغيّر حياته و حياة عائلته إلى أفضل و جلس يفكر في حل لوضعه الجديد فقرّر أن يُنزل إعلانا بالجريدة موضحا أنّ بإمكانه إن شاء الله تسيير أيّ شركة على وشك الإفلاس و قيادتها إلى النجاح. فلجأ إليه رجل أعمال مشهور و أعطاه مهلة سنة كاملة من أجل أن ينقذ شركته من الإفلاس فوافق معاذ بكل فرح و سرور و طلب منه أن يستعين بمُسيّرة جيدة و ماهرة و دلّه على خديجة ابنة سفيان الرجل المعروف فوافق الرجل على الفور و اتصل معاذ بخديجة و اقترح عليها المنصب الجديد فسعدت باقتراحه و أخبرت والدها فوافق مُكرها. و عاد الاثنين ليعملا معا من جديد و نجحا نجاحا مبهرا في جعل شركة الرجل تفوق شركة والدها في نسبة الأرباح و جودة المنتج و نسبة المبيعات.

فرح الرجل الغني بنجاحهما فرحا شديدا و قد أبهرته أخلاق معاذ و تقواه. فأراد أن يزوجه ابنته الوحيدة و كانت في غاية الجمال و الذكاء فرفض معاذ اقتراح الرجل بلباقة و أخبره أنّ قلبه محجوز لامرأة أخرى، عرفت قيمته و قدره و لم تجرؤ على أن تبدي إعجابها به قط. علمت خديجة بمطلب الرجل من الشاب فغارت عليه و سألته و هي تحاول أن تخفي مشاعرها ناحيته : كيف رفضت طلبه و هي أجمل البنات و أغناهن؟ فقال لها في ثقة و ابتسامته قد أنارت وجهه: لأنني أريدك أنت. احمّرت وجنتا الفتاة و سعدت بكلامه لكن سرعان ما تذكرت والدها فحزنت و قالت له: والدي لن يوافق أبدا. فقال الشاب في ثبات : لا أبالي، سأنتظر و أصبر و كُلي أمل في أن يقبل طلبي هذا يوما ما. فهل تنتظري أنت أيضا؟ فابتسمت وقالت بكل ثقة : نعم سأنتظر إن شاء الله.
أخبرت خديجة والدها برغبة معاذ في الزواج منها بعدما حكت له عن نجاحه الذي حققه في مجال عمله فغضب والدها غضبا شديدا و رفض الفكرة رفضا قاطعا و أمر ابنته أن تنسى الأمر نهائيا لأنه لن يوافق عليه أبدا و قد منعها من مواصلة العمل معه. و مع أنّ رفض والدها كان متوقعا إلاّ أنّ وقع ذلك كان عليها كبيرا.. فحبست نفسها في غرفتها لا تريد أن ترى أحدا و قد تملكها الحزن و الأسى و ظنت أنها لن ترى معاذا تانية. حزن معاذ عند سماع الخبر و عزم على الصبر و الدعاء منتظرا الفرج من عند الله.

و ذات صباح فوجئ الرجل الثريّ بمبعوث الشرطة عند باب قصره و معه استدعاء من أجل التحقيق معه. فرفض الرجل الامتثال لأوامره فأغلظ عليه في القول و أمر أعوانه أن يأخذوه مكرها. و قد اتضّح بعد التحقيق أنّ نائب سفيان الذي كان قد طرده سفيان من منصبه لخلاف شبّ بينهما قد انتقم منه و قدّم للشرطة ملفات تثبت تورطه في قضية تهربه عن دفع الضرائب و في تجارة المخدرات و قد أمرت الشرطة بتجريده من جميع أملاكه العقارية والحجز على أرصدته البنكية. فصُعق كل أفراد عائلته للخبر فلم يتصوروا يوما أنهم سوف يصبحون بلا مال، بلا أملاك، صفر اليدين، فقراء مُعْوَزين. لقد أصبحوا بين ليلة و ضحاها هم و الفقراء سواء.

أدخل سفيان السجن فحزنت خديجة عليه كثيرا و لِما آلت إليه عائلتها، و قد طلّق زوج أختها الغني أختها ما إن سمع بخبر فقدانهم لكل ثروتهم وقد اضطرت البنات إلى كراء شقة للعيش فيها. أما والدهن فقد ندم أشّد الندم على ابتعاده عن الله تعالى و على كل ما اقترفه من ظلم و تحايل و تكبّر على الناس. و ظلّت خديجة تزوره كل أسبوع بينما لم تكن أختيها تتذكرنه بل حقدن عليه و بقينَ تُحمّلنه مسؤولية ما آلت إليه عائلتهم إلى الأبد. فتأكد والدها من حبها الصادق له و أنها ما كانت لتعظه و تنصحه لولا حبها له عكس أختيها الأنانيتين، فوافق على زواجها من معاذ بعدما اعتذر منه فقبل الشاب اعتذاره، و تزوج ابنته و عاشا حياة ملؤها الحب، الوفاء و الإخلاص، و لم يتوقفا عن زيارة والد خديجة إلى أن توفاه الله في السّجن.

scriptwriter Art drawing novels ries life illustartions photoshop قصص من الحياة الرسم السيناريو

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.